أفلاطون
أفلاطون
جاء أفلاطون بعد سقراط ، وهو تلميذه ، وكان من أسرة نبيلة غنية بأثينا ، ولد نحو سنة 428 قبل الميلاد [
وقد خطا افلاطون بالفلسفة خطوة جديدة ، فقد جاء فوجد الفلسفة ليست إلا أراء متناثرة ، ونظريات متفرقة ، وملاحظات من هنا وهناك ، فاخذ يجمعها ، ويلائم بينها ، ويختار خيرها ، ويكون من ذلك كله وحدة مؤتلفة وبناء متناسقا .
وقد خلف لنا أفلاطون كتبا" كثيرة في الفلسفة ، صاغها في أسلوب حوار ، متأثرا في ذلك بأسلوب أستاذه سقراط ، واتخذ فيها سقراط بطلا" لكثير من المناقشات .
وكان أسلوبه ممتازا" من الناحية البلاغية ، فهو في كتبه أديب فنان ، أسلوب مملوء بالاستعارة والقصص والخيال وقد أتى ذلك من أنه فيلسوف وأديب معا" ، ولكن ذلك اتعب الباحثين بعده ، لأنهم حاروا في بعض المواضيع : هل [هو يريد الحقيقة او المجاز ؟ ]
وقد بحث أفلاطون في نظرية المعرفة ، أعني : من أين ياتينا العلم بالأشياء ، هل من طريق الحواس وحدها ، أو من طريق الحواس والتامل ؟ وله في ذلك كلام طويل موضعه كتب الفلسفة .
ومن أهم كتبه وأشهرها كتاب (( الجمهورية )) ، وفيه ملخص فلسفته : ففيه مذهبه في السياسة وفي الدين وفي الأخلاق ، وفي علم النفس ، وفي التربية ، وفي الفن ، وفيما وراء الطبيعة .
وفي هذا الكتاب ، يضع الأسس ، التي يراها لبناء مدينة فاضلة ، أو مدينة هي المثل الأعلى في المدن ، كيف يطبق فيها العدل ، ومن يقوم فيها بالحكم ، وكيف تربي الحاكم وكيف تربي الأطفال وما موقف النساء في هذه المدينة وما نظام الملكية فيها ؟ ..
وهو يبتدئ كتابه (( الجمهورية )) بالبحث في تحديد معنى العدل ، وينتهي إلى أن العدل لا يمكن أن يعرف معرفة صحيحة ، إلا إذا درس المجتمع ، فلننظر كيف يكون المجتمع وهو في أكمل نظامه ، وكيف تكون العلاقة بين الأفراد فيه ، فإذا استطعنا وصفه ، استطعنا أن نستنتج منه معنى المجتمع العادل ومعنى الإنسان العادل ، ومعنى العدل نفسه .
يبدأ أفلاطون في دراسته للمجتمع ، بدراسة الفرد ، لان الإنسان والدولة متشابهان ، والدولة مجموعة من الأفراد ، فإذا أردنا ان تكون الدولة صالحة وجب علينا أن نكوّن أولا ، مواطنين صالحين ، لذلك بدأ بدراسة الإنسان ، ورأى آن أفعاله كلها صادرة عن ثلاثة أشياء : الشهوة ، والعاطفة ، والعقل .. أما الشهوة فمركزها البطن ، وما إليه ، وهي مستودع النشاط ، وأما العاطفة ، فمقرها القلب ، وهي تزود الإنسان في حياته بالقوة والحماسة ، وأما العقل ، فمركزه الرأس ، وهو الهادي ، الذي يهدي إلى الصراط المستقيم
وكل إنسان لديه هذه القوى الثلاث ، ولكن بدرجات مختلفة ، فمن الناس من تغلب عليهم شهوتهم ، فينغمس في الحياة المادية ، ومن الناس من تغلب عليه العاطفة ، كالجند المتطوعين للقتال ، دفاعا" عن أمتهم ، ومنهم من يغلب عليهم العقل والحكمة ، ككبار المفكرين . . والإنسان المتزن ، من تعادلت عنده القوة الثلاث ، وتكونت نفسه منها ، وكانت جميعها في حالة تعاون ، فالشهوة تسعى ، والعاطفة تغذيها ، والعقل يهديها . وشأن الأمة كشأن الفرد فيجب أن يكون فيها زراع وصناع ، يشبهون في الفرد قوة الشهوة ، ورجال جيش ، يشبهون قوة العاطفة ، وحكام يسوسون الناس بحكمتهم وفلسفتهم ، وهؤلاء يشبهون قوة العقل في الفرد .
وعلى هذا الأساس ، يضع افلاطون نظام الدولة ، ونظام الطبقات ، ونظام التربية ، التي يستدعيها هذا التقسيم ، فالماديون للعمل ، والجنود للحرب ، والفلاسفة للحكم .
ويجب أن ينشأ مربى عام في المدينة لتربية الأطفال يعزلون فيه عن آبائهم ، من صغرهم ، ويربّون فيه تربية واحدة على السواء يمتحن فيها نبوغهم ومواهبهم ، ثم وضع برنامجا لهذا المربى العام ، ففي السنوات الأولى تكون أكثر التربية تربية بدنية وبجانبها الموسيقى ترقق الذوق ، وتلطف الحس وتهذب الخلق ، ثم تضاف إلى التربية البدنية والموسيقى الأخلاق العلمية ، فيعرف كل فرد صلته بمن حوله وحقوقه وواجباته ، ويجب أن تركز هذه الواجبات ، على أساس ديني ، حتى تكون النفس لها أطوع ، ثم إلى جانب هذا يعلم شيئا" من العلوم ، كالرياضة والتاريخ ، في صيغة جذابة ، ويدرس هذا البرنامج ، إلى أن يبلغ العشرين ، فيكون بذلك قد نال غذاء صالحا لكل قواه : الجسمية والعقلية والخلقية ، ثم يمتحن الشبان امتحانا قاسيا ، تعرف منه ملكاتهم واستعدادهم وقواهم ، فالمتخلفون المقصرون تسند إليهم الأعمال الاقتصادية ، من زراعة وتجارة وصناعة ، والناجحون يبدأون مرحلة أخرى تمتد عشر سنوات ، تربى فيها أجسامهم وعقولهم وأخلاقهم ، على نحو أرقى ، وفي نهاية المرحلة يمتحنون امتحانا أخر ، أدق وأشق ، فالمتخلفون ، يكون منهم رجال الجيش ، والناجحون يبدأون مرحلة ثالثة تمتد خمس سنوات ، يعلمون فيها الفلسفة ، وتتناول هذه الفلسفة علم السياسة وطرق الحكم والفلسفة الإلهية ، فاذا نجحوا خرجوا إلى الحياة ، وجربوا الحياة الواقعية ، لتحنّكهم التجارب ، ثم يمتحنون مرة اخرى ، فمن رسب في الامتحان الحق بالجيش ، ومن فاز أسندت إليه مناصب الحكم في الدولة ، وقد وضع أفلاطون لهؤلاء الحكام ، نظاما دقيقا يمنع من التنافس والغيرة والجشع في المال ونحو ذلك .
وقد رأى افلاطون في هذه (( الجمهورية )) ، ألا يحال بين المرآة والعلم ، متى قدرت عليه ، بل لا يحال بينها وبين مناصب الحكم ، إذا أظهرت كفاية لذلك .
وأستنتج من هذا كله ، أن المجتمع العادل ، هو الذي يقوم فيه كل فرد بواجبه ، الذي أعدته له الطبيعة ، ويجب أن يتعاون الجميع على تكوين وحدة كاملة متناسقة الأجزاء ، وهذا التعاون هو العدل في الأمة ، والرجل العادل ، هو الذي يعرف قدر نفسه فيضعها في موضعها ، ويبذل كل ما في وسعه لينتج بمقدار ما يربح ، ولا يكون ذلك إذا تعاونت كل قواه الجسمية والنفسية .
هذه صورة المدينة الفاضلة كما تصورها أفلاطون ، وقد كانت الجمهورية باعثا لكثير من الأدباء والفلاسفة في العصور المختلفة ، إلى يومنا هذا على أن يؤلفوا نوعا من الكتب يسمى (( يوتوبيا )) يرسمون فيه ما يتصورون من المدينة الفاضلة .
وأساس فلسفة أفلاطون ، أن وراء هذا العالم ، الذي نعيش فيه ونحسه عالما عقليا روحانيا يسمى (( عالم المثل )) ، وهو عالم كامل لا يعتريه نقص ولا تغير ، وهو غاية الغايات للعالم الحسي ، فكلما قرب الشيء الحسي من عالم المثل كان أقرب إلى الكمال ، وقد خطا أفلاطون بالفلسفة خطوة واسعة ، من حيث التنظيم وسعة البحث وعمقه ، وسلمها لتلميذه أرسطو خيرا" مما تسلمها من أستاذه سقراط .
|